محمد الريشهري

14

نبي الرحمة من منظار القرآن وأهل البيت

الدليل والبرهان ، وإذا ما أبدى الطرف المقابل العناد إزاء الأدلّة الواضحة ولم يسلّم للحقّ ، دعا في المرحلة الثانية إلى المباهلة ؛ أي دعاء كلّ من الطرفين على الآخر لإثبات ادّعاءٍ ما ، وذلك بأن يجتمعا في موضعٍ واحدٍ بشأن القضية موضوع الاختلاف ويتضرّعا إلى اللّه ، ويطلبا منه أن يفضح الكاذب ويعاقبه . وهذا العمل هو في الحقيقة جعل اللّه سبحانه حكما بشأن تصديق أو تكذيب كلّ واحد منهما في ادّعائه . وقد أمر اللّه جلّ وعلا نبيه أن يدعو نصارى نجران إلى المباهلة على هذه الشاكلة لإثبات صدقه : " فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ " « 1 » . ولا شكّ في أنّ الدعوة إلى المباهلة بالشكل المذكور في هذه الآية ، يدلّ على صدق مدّعي النبوّة ؛ لأنّ الّذي لا يوقن بصحّة ادّعائه لا يمكن أن يدعو معارضيه لِئن يطلبوا من اللّه فضح الكاذب ، وأنّهم سوف يرون في نفس ذلك المجلس نتيجة حكم اللّه ومعاقبة الكاذب ! ومن البديهي أنّ دخول هذه الساحة دون الاطمئنان بالنتيجة ، ليس معقولًا ؛ ذلك لأنّ المدعي سوف يُفضَح إذا ما لم يستجب دعاؤه ولم يعاقَب المعارض ، ولذلك فإنّ عرض المباهلة على المسيحيّين ، بغضّ النظر عن نتائجه ، يدلّ دون شكّ على صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله في دعوى الرسالة . وبعد عرض اقتراح المباهلة من جانب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله طلب ممثّلو نصارى نجران المُهلة منه صلى اللّه عليه وآله للإجابة على هذا المقترح كي يتشاوروا مع كبارهم . وقد كانت نتيجة تشاورهم تتمثّل في ملاحظة مهمّة تدلّ من الناحية النفسية على صدق مدّعي النبوّة أو كذبه ، ولذلك فقد قرّروا أن يحضروا مجلس المباهلة ليروا مَن هم الّذين يرافقون النبيّ صلى اللّه عليه وآله للمباهلة ، ومَن هم الأشخاص الّذين سيجعلهم عرضة للعقوبة الإلهيّة ، فقد أولوا الأمر بينهم قائلين : إن باهَلَنا بِقَومِهِ باهَلناهُ ؛ فاءنَّهُ لَيسَ بِنَبِيٍ ، وإن باهَلَنا بِأهلِ بَيتِهِ خاصَّةً فَلا نُباهِلُهُ ؛ فَإِنَّهُ لا يَقدِم عَلى أهلِ بَيتِهِ إلّا وهُوَ صادِقٌ . « 2 »

--> ( 1 ) آل عمران : 61 . ( 2 ) راجع : ص 48 ح 27 .